عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
44
معارج التفكر ودقائق التدبر
الإيماني لمن رفض التسليم ببلاغات المرسلين . إذ آيات اللّه عزّ وجلّ الكونيّة دالّات على الرّبّ الخالق ، وعلى طائفة من عظيم صفاته جلّ جلاله ، ومن آمن باللّه عزّ وجلّ وبصفاته فلا بدّ أن يدرك حكمة اللّه الجليلة من الخلق ، ومن حكمته أن لا يخلق الكون باطلا ، وأن لا يخلق الإنسان عبثا ، ولا شيء يرفع احتمال العبث إلّا أن يكون قد خلق النّاس في ظروف هذه الحياة الدّنيا ليبلوهم بالإيمان والعمل ، ثم ليحاسبهم ، ويفصل القضاء بينهم ، ويجازيهم ، في حياة أخرى بعد حياة الابتلاء الأولى ، وهذا يوصل المتفكّرين إلى الإيمان بيوم الدّين . ومن حكمته بعد أن قضى أن يخلق الناس ليبلوهم أن يرسل إليهم رسلا منهم ، يبيّنون لهم موادّ امتحانهم ، وما هم مسؤولون عنه في حياتهم لدى بارئهم ، وهذا يوصلهم إلى الاقتناع بحكمة إرسال الرّسل ، ولا يبقى أمامهم إلّا التأكّد من صحّة دعوى من يدّعي أنّه رسول اللّه ، ويتحقّقون من صدقه بما خصّه اللّه به من معجزة أو معجزات تشهد له بأنّه صادق فيما يبلّغ عن ربّه ، كمعجزة القرآن لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكمعجزات موسى وعيسى عليهم الصّلاة والسّلام . فاللّه عزّ وجلّ في هذا الدرس يعيد الكافرين إلى الحلقة الأولى من سلسلة التفكير الإيماني ، ويحملهم مسؤوليّة النّظر التأمّليّ في آيات اللّه الكونية . ففي قوله عزّ وجل : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا ؟ مع الاستنكار والتلويم حثّ على النظر التفكّريّ ، إذا لم يسبق لهم أن نظروا هذا النظر . إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ ، أي : أفلم ينظروا إلى هذه السّماء العظيمة العجيبة ، في الامتداد الّذي لا يدركون غايته فوقهم . السّماء : تطلق لغة على كلّ ما ارتفع وعلا ، أو كان في جهة العلوّ ،